ابن عجيبة

155

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : مساجد الله هي حضرة القلوب وحضرة الأرواح وحضرة الأسرار ، فحضرة القلوب لأهل المراقبة من أهل الإيمان ، وحضرة الأرواح والأسرار لأهل المشاهدة والمكالمة من أهل الإحسان ، فمن منع نفسه من الدخول في هذه الحضرات الثلاث ، وسعى في خراب باطنه باتباع الحظوظ والشهوات ، ومال إلى الدنيا وزخارفها الغرارات ، فلا أحد أظلم منه نفسا ، ولا أبخس منه صفقة . فلا ينجع في هؤلاء إلا خوف مزعج أو شوق مقلق . فإن لم يكن أحد من هذين بقي على غيه حتى مخايل الموت ، فيحن إلى الدخول فيها خائفا ، ولا ينفع حينئذ الندم ، وقد زلت به القدم ، له في الدنيا ذلك الفقر والجزع ، وله في الآخرة غم الحجاب وسوء الحساب وحسرة العتاب ، نسأل الله العافية في الدارين . آمين ، بمنه وكرمه . وقال القشيري : نفس العابد وطن العبادة ، وقلب العارف وطن المعرفة ، وروح الواجد وطن المحبة ، وسر الموحّد وطن المشاهدة ، ولا أظلم ممن سعى في خراب وطن العابد بالشهوات ، وفي وطن المعرفة بالمنى والعلاقات ، وفي وطن المحبة بالحظوظ والمساكنات ، وفي وطن الموحد بالالتفات إلى القربات . ه . وبالله التوفيق . ولما ذكر الحق تعالى تعطيل بعض المساجد والمنع من الصلاة فيها ، وسع على عباده في الصلاة حيث شاءوا ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 115 ] وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 ) قلت : ( أينما ) شرطية ، و ( تولوا ) شرطها ، وجملة ( فثم ) جوابها ، و « ولى » يستعمل بمعنى أدبر وبمعنى أقبل ، تقول : وليت عن كذا أو كذا ، والوجه هنا بمعنى الجهة ، تقول : سافرت في وجه كذا ، أي في جهة كذا . قاله ابن عطية . يقول الحق جل جلاله : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، والجهات كلها له ، لا يختص ملكه بمكان دون آخر ، فإذا منعتم من الصلاة في المساجد ففي أي مكان كنتم ووليتم وجهكم إلى القبلة التي أمرتم بالتوجه إليها فثم جهته التي أمر بها ، أو فثم ذاته المقدسة ، أي : عالم مطلع على ما يفعل فيه ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ بإحاطته بالأشياء ، أو برحمته يريد التوسعة على عباده ، عَلِيمٌ بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها . وعن ابن عمر : أنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة حيثما توجهت به ، وقيل : في قوم عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة ، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم ، وعلى هذا : لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ ، لم يلزمه التدارك . قاله البيضاوي . الإشارة : اعلم أن الأماكن والجهات ، وكل ما ظهر من الكائنات ، قائمة بأنوار الصفات ، ممحوة بأحدية الذات ، « كان الله ولا شئ معه ، وهو الآن على ما عليه كان » ؛ إذ لا وجود لشئ مع الله ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ